عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

86

معارج التفكر ودقائق التدبر

وقد سبق أن ظهر لنا أن قومه يؤمنون بأنّ الرحمة من صفات اللّه عزّ وجلّ مع عباده في الأرض ، فهو الرّحمن ، على خلاف عقيدة كثير من مشركي العرب الّذين كانوا ينكرون اسم اللّه الرحمن ، وينسبون صفة الرّحمة إلى آلهتهم الّتي يعبدونها . وبعد أن وضع هذا الرّجل المؤمن قومه أمام هذا البرهان التجريبيّ ، الّذي جرّبه بنفسه ، أعلمهم بأنّه إذا استمرّ على الباطل الّذي كان عليه ، فإنّه إذا لفي ضلال مبين واضح جليّ ، دلّ على هذا قوله : إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) . وأرى أنّه استعمل الفعل المضارع في عبارته ، أو ما يماثله في لغته ، إذ قال لقومه : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً على معنى أتريدون منّي أن أتّخذ مستقبلا آلهة من دون ربّي ، وحالي معهم بين يدي الرّحمن أنّي : إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ مستقبلا ( بضر ) ينزله بي مادّيّ أو معنويّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) بدلالة تجربتي السّابقة معهم ؟ ؟ ! إنّني أكون إذا بعد سوابق التجارب في ضلال مبين واضح جليّ ، أي : في ضياع واضح ، وفي مجافاة بيّنة لطريق الحقّ والهدى . وهنا ظهرت حجّة الرّجل المؤمن قويّة واضحة برهانيّة ، وانقطعت حجج القوم وأفحموا ، فلم يجدوا أمامهم إلّا أن ينتصروا لأنفسهم بقتله ، فقدّموه للقتل . فتوجّه هذا الرّجل المؤمن المجاهد الصّابر الشّجاع ، قبيل تنفيذ الأمر بقتله ، لجماهير قومه المحتشدين ، فنادى بأعلى صوته متحدّيا داعيا ، بما جاء في قول اللّه تعالى حكاية لقوله : * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 ) . وعقب هذا نفّذوا فيه حكم القتل فقتلوه ، فلفظ روحه شهيدا في سبيل اللّه ، دلّ على هذا الحدث المطويّ في النّصّ من قصّته :